الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
150
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وعرفها فدعاها فأتته فعاذت به ، وقالت : فاعف عما سلف يا نبيء اللّه عفا اللّه عنك . فقال : وَلا يَزْنِينَ . فقالت : أو تزني الحرّة . قال : وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ . فقالت هند : ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا فأنتم وهم أعلم . تريد أن المسلمين قتلوا ابنها حنظلة بن أبي سفيان يوم بدر . فتبسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم . فقال : وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ . فقالت : واللّه إن البهتان لأمر قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق . فقال : وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ . فقالت : واللّه ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء . فقوله : وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ . جامع لكل ما يخبر به النبي صلى اللّه عليه وسلّم ويأمر به مما يرجع إلى واجبات الإسلام . وفي الحديث عن أم عطية قالت : كان من ذلك : أن لا ننوح . قالت : فقلت يا رسول اللّه إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بدّ أن أسعدهم . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : إلّا آل فلان ، وهذه رخصة خاصة بأم عطية وبمن سمّتهم . وفي يوم معيّن . وقوله : فَبايِعْهُنَّ جواب إِذا تفريع على يُبايِعْنَكَ ، أي فأقبل منهنّ ما بايعنك عليه لأن البيعة عنده من جانبين ولذلك صيغت لها صيغة المفاعلة . وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ، أي فيما فرط منهنّ في الجاهلية مما خص بالنهي في شروط البيعة وغير ذلك . ولذلك حذف المفعول الثاني لفعل اسْتَغْفِرْ . [ 13 ] [ سورة الممتحنة ( 60 ) : آية 13 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ( 13 ) بعد أن استقصت السورة إرشاد المسلمين إلى ما يجب في المعاملة مع المشركين ، جاء في خاتمتها الإرشاد إلى المعاملة مع قوم ليسوا دون المشركين في وجوب الحذر منهم وهم اليهود ، فالمراد بهم غير المشركين إذ شبه يأسهم من الآخرة بيأس الكفار ، فتعين أن هؤلاء غير المشركين لئلا يكون من تشبيه الشيء بنفسه . وقد نعتهم اللّه بأنهم قوم غضب اللّه عليهم ، وهذه صفة تكرر في القرآن إلحاقها باليهود كما جاء في سورة الفاتحة أنهم المغضوب عليهم . فتكون هذه الآية مثل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ في سورة العقود [ 57 ] .